هكذا فاعدلوا بين الزوجات
{ فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة } [ النساء : 129 ]
أي أن العدل الشرعي الذي تسألون عنه هو البعد عن الميل والجور الخارج عن حد العدل الممكن المستطاع .
فالواجب هو أولاً : عدم تعمد الظلم ، بل الحرص التام الذي يعلمه الله تعالى على إقامة العدل بين الزوجتين ما استطعتم ، ولقد تبين ذلك من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو ظاهر فيما روي عنه صلى الله عليه وسلم ، وأيضاً من سيرة الصالحين من الصحابة الكرام ومن اتبع سبيلهم بإحسان وقد ورد في المأثور عنهم ما يعد مضرباً للأمثال في تحري العدل بين النساء والحرص عليه ، ومثاله :
- في عدم استطاعة العدل التام المطلق بين النساء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم إن هذه قسمتي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك "رواه أحمد وأهل السنن .
- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال صلى الله عليه وسلم : من كانت له امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه مائل " أخرجه أصحاب السنن وابن حبان والحاكم .
- روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه بعث إلى أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم بمال " فقالت عائشة رضي الله عنها : إلي كل أزواج رسول الله بعث عمر مثل هذا ؟ قالوا : لا ، بعث إلى القرشيات بمثل هذا وغلى غيرهن بغيره ، فقالت : ارفع رأسك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعدل بيننا في القسمة بماله ونفسه ، فرجع الرسول فاخبره فأتم لهن جميعاً .
- في مسند أحمد من رواية باسرة بن سمين : سمعت عمر بن الخطاب يقول وهو يخطب للناس يوم الجابية : " إن الله جعلني جازناً لهذا المال وقاسماً له ، ثم قال : بل الله يقسمه ، وأنا بادئ أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ففرض لأزواجه عشرة آلاف إلا جويرية وصفية وميمونة ، فقالت عائشة : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعدل بيننا ، فعدل بينهن عمر … الحديث " ، أورده في سنن أبي عمرو بن حفص في مسند المكيين .
- كان لمعاذ امرأتان ، فإذا كان عند إحداهما لم يتوضأ في بيت الأخرى ، فماتتا في الطاعون فدفنهما في قبر واحد ، أخرجه أبو نعيم في الحلية في ترجمة معاذ من رواية الليث عن يحيى بن سعيد ، وهذا مرسل ، وما أوردناه ها هنا قليل من كثير ، وغيض من فيض .
الأمر الثاني :
هو التزام التسوية بينهن فيما هو محدد ومعلوم ولا عذر في تركه وأهمه : القسمة ، والنفقة ، فإن ذلك مستطاع وإن التفريط فيه هو تفريط في الأمر الشرعي الملزم بإيجاب العدل بين النسوة ، ولا يحل لأمرئ أن يميل في أمر البيتوتة وأيام البيات عند الزوجات وإلا كان متبعاً للهوى على ما هو معلوم من مغبة ذلك هلاكاً وضلالاً ، وهذا هو محل الحديث الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال صلى الله عليه وسلم : " من كانت له امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه مائل " أخرجه أصحاب السنن وابن حبان والحاكم .
قوله تعالى : { فتذروها كالمعلقة } ، المعنى فتتركونها وكأنها شئ معلق ما له من قرار ، ووجه التشبيه في ذلك أن حال الشيء المعلق هي حال عوجاء مضطربة غير مستقرة ، وغايته إما يهوي إلى الأرض أو يحمل على ما علق عليه ولا بد ، وطالما بقى معلقاً لا على الأرض ولا في السماء فلن يقر له قرار ولن يريح ولن يستريح ، فمن هنا قال الله تعالى : { فتذروها كالمعلقة } .
وإنما أراد الله بهذا التشبيه أن يبين أن المرأة إذا انتهى بها الأمر إلى التعليق على ما فيه من جور وألم فسوف تغدو نقمة على زوجها وأبنائها ، بل وعلى المجتمع بأسره حال أنها في هذا الوضع الاستثنائي الشاد ، فهنا أمر رباني ظاهره إرشاد الأزواج بتحري العدالة بين النساء ، ومن ورائه تبصير لهم بما من شأنه كف العواقب والتداعيات الناجمة عن شيوع الظلم والجور بين النساء وما يمكن أن يصدر منهن مما يثير البلابل والفتن فتأل .
والتشبيه هنا قصده النهي عن الجور ، فتغدو وكأنها لا هي ذات بعل ، ولا هي دون بعل وتعليقها يكون بحبسها على اسم زوجها فلا هي مطلقة فتتزوج ، ولا هي متزوجة على الحقيقة فتحصل على حقوقها .
بقلم الدكتور / توفيق علــوان
الدعوة – العدد 1757 – 1421 هـ |